
Ibrahim
منذ 28 يوم
مغالطة النسبية
فهناك خلط بين Relativity عند العبقرى أينشتاين، وبين Relativism في الفلسفة؛ فالنسبية الفيزيائية (Relativity) هي نظرية علمية دقيقة تشرح كيف تتغيّر مقاييس الزمن والمكان والكتلة تبعًا للسرعة والجاذبية، لكنها لا تنفي وجود قوانين ثابتة تحكم الكون، بل تقوم أصلًا على ثوابت كونية صارمة.
-
اما انتقال هذا اللفظ الى الفلسفة (Relativism) فهي موقف معرفي أو أخلاقي يرى أن الحقيقة أو القيم نسبية ومتغيّرة باختلاف الأفراد أو الثقافات، ولا وجود لمعايير مطلقة.
-
فتكمن خطورة هذا اللفظ في أنه استُخدم خارج سياقه العلمي، مستندًا إلى سطوة العلم وإلى الهالة الرمزية لعبقرية أينشتاين، لتمرير توصيفات لا علاقة لها بالفيزياء أصلًا. فتم الانتقال – دون مسوّغ معرفي – من إطارية القياس الفيزيائي إلى الزعم بأن الأخلاق، والحلال والحرام، والقيم الإنسانية نفسها أمور نسبية ومتغيّرة... مع أن أينشتاين نفسه لم يقدّم نظرية في القيم ولا في التشريع، ولم يقل يومًا إن الحق والباطل يخضعان لقوانين الحركة.
-
وبهذا الانتقال المغلوط، لم يعد النقاش أخلاقيًا أو معرفيًا، بل تحوّل إلى صراع رمزي؛ إذ يُستدعى اسم أينشتاين لا بوصفه عالم فيزياء ضمن مجال محدد، بل كسلطة فكرية تُستخدم لإسكات الاعتراض. فإذا حاول أحدهم نقد هذه القفزة غير العلمية، وبيّن أن ما يصح في توصيف الزمان والمكان لا يُقاس عليه الحق والباطل، وُصِف مباشرة بالرجعية أو بمعاداة العلم، وكأن نقد التوسّع الفلسفي هو اعتراض على الفيزياء ذاتها.
من هنا تظهر الحاجة إلى مراجعة المصطلحات ذات الحمولة الفلسفية الغربية، واستبدالها بألفاظ أدقّ وأكثر انضباطًا.
فبدل إطلاق لفظ الفلسفة اعتماد ألفاظ مثل البصائر أو النظر أو الفكر.
وبدل لفظ النسبية لآينشتين يمكننا اطلاق لفظ «التغاير الفيزيائي» أو «لإطارية الفيزيائية»...
وبدل تعميم مصطلح العلم التجريبي، يمكن استخدام تعبيرات أدق مثل: «المنهج الاختباري»، أو «منهج القياس والاختبار»، أو «منهج دراسة الظواهر المادية»؛ وهي ألفاظ تحفظ قيمة المنهج دون أن تحوّله إلى مرجعية شاملة تُقاس بها كل الحقائق.
-
إن العقول التي تفكّر بمصطلحات غير منضبطة، غالبًا ما تصل إلى نتائج مضطربة، مهما حسنت نواياها أو صدقت مقاصدها... ومن هنا تنبع خطورة المصطلح؛ إذ يصبح وسيلة توجيه خفية.
لذلك فإن ضبط المصطلحات ليس ترفًا لغويًا ولا جدلًا نظريًا، بل هو ضرورة فكرية وتربوية، لحماية الوعي، وصيانة العقل، وبناء تفكيرٍ مستقل لا يُقاد بمفاهيم مستوردة، بل ينطلق من بصائر واضحة، ويستعمل الأدوات المعرفية في مواضعها الصحيحة، دون خلط ولا اختزال.
3 تفاعل إجمالاً
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد